علي بن محمد الحموي ( ابن حجة الحموي )

258

ثمرات الأوراق

سكبه الطيّبة . وتذكّر المنبر عند قطع الماء أوقاته بالروضة ، وتكدرت أفراحه لمّا ذكر أيامه بتلك الغيضة ، وأنشد لسان حاله : ولو أنّ مشتاقا تكلّف فوق ما * في وسعه لسعى إليك المنبر « 1 » وودّت العروس أن تكون مجاورة لحماتها لتبلّ ريقها برحيق الأمن إذا نظرت إلى عاصي المحمدية ، وقد دخل جناتها ونظرت إلى فوار أبي نواس وقد انقطع قلبه بعد ما كان يثب ويتحرّى ، وكاد أن ينشد من شعره لعدم الماء : ألا فاسقني خمرا . ودخلت إلى الكناسة وقد علا بها غبار الحزن فتنهدت من الأسف على كلّ ناهدة ، ورثيت للنساء وقد فقدن بعد تلك الأنعام المائدة . واستطردت إلى باب البريد ، فوجدت خيول الماء الجارية قد انقطعت عن تلك المراكز ، ونظرت إلى السراج الأكبر وقد انعقد لسانه لمّا شعر من ممدوح الماء بعدم تلك الجوائز . ونظرت إلى أهل الصلاة وعليهم في هذه الواقعة من الصبر دروع ، وقد استعدّوا بسهام من الأدعية أطلقوها عن قسيّ الركوع . مريشة بالهدب من جفن ساهر * منصّلة أطرافها بدموع ونظرت إلى الربان من العلم وقد اشتدّ لفقد الماء ظماه ، وتبلّد ذهنه حتى صار ما يعرف من أين الطّريق إلى باب المياه . ومشيت بحكم القضاء إلى الشهود فوجدت كلّا منهم قد راجع سهاده وطلّق وسنه ، وتأملت أهل الساعات وقد صار عليهم كلّ يوم بسنة . ونزلت في ذلك الوقت من الساعات إلى الدرج في دقيقة ، فانتهيت إلى مجاز طريق الفوار فوجدته كأن لم يكن له حقيقة . كم وردته وهو كأنه سنان يطعن في صدر الظما ، أو شجرة كدنا نقول إنها طوبى لمّا ظهرت وأصلها ثابت وفرعها في السما . أو مغترف بيده الماء وقد أفاض عليه عطاياه فيضا ، فرفع له لأجل ذلك فوق قناته راية بيضا . أو عمود وفاء أشارت الناس إليه بالأصابع ، أو ملك طالب السماء بودائع ، حتى كأنّ إكليل الجوزاء له من جملة الودائع ، أو أبيض طائر علا حتى قلنا إنه يلتقط حبات النجوم الثواقب ، أو شجاع ذو همة عالية يحاول ثأرا عند بعض الكواكب ، فخفض لفقد الماء مناره وخفي بعد ما كان به أشهر من علم ، وجدع أنفه وطالما ظهر وفي عرنينه شمم ، فقلت : لست أنسى الفوّار وهو ينادي * غيض مائي وعطل الدّهّر حالي

--> ( 1 ) للبحتري ، ديوانه : 1 / 212 .